فوزي آل سيف

390

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

إن الذي شق فمي كافل للرزق حتى يتوفاني حرمتني مالا قليلاً فما زادك في مالك حرماني فلما بلغت سليمان كتب إليه يعتذر منه عما حدث من قطع الراتب وأضعفه له، ولم تلق هذه البادرة من الخليل إلاّ ما لقيت أختها، ذلك أن النفس العزيزة التي يحملها بين جنبيه لم تكن لتتنازل لا للترهيب ولا للترغيب، فقال الخليل: وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت منها التعجب جاءت من سليمانا لا تعجبن لخير زل عن يده فالكواكب النحس يسقي الأرض أحياناً([224]) وفيما كان غيره يتاجرون بما كان قد صنفه وكتبه، ويجمعون أموال الأمراء، كان يعيش حياة من وجد حياته في عمله وراحته في إبداعه، فأوقف همه عليه، ولم يترك لدنياه هماً. وكما قال النضر: كان الخليل أشعث الرأس شاحب اللون شعث الهيئة منخرق الثياب منقطع القدمين، مغموراً في الناس لا يُعرف. لكنه كان واحد عصره، فقد أقدم على ابتكار علم العروض، لا عن كتاب كان قبله ولا عن منهاج، وبذلك صان اللغة و آدابها، والشعر العربي عن الاندراس، قال حمزة بن الحسن الأصفهاني: (إن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول، من الخليل وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا عن مثال تقدمه احتذاه وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفسران غير جوهرها فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة ثم إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام»([225]). وما ظنك بمن يفرع على طريقة الحصر العقلي حتى يتناول اثني عشر مليوناً وثلاثمائة وخمسة آلاف وأربعمائة وست كلمات (12305406)، إذ أنه ألف كتابه المذكور على ترتيب الحروف إذا اجتمعت ثنائياً أو ثلاثياً أو رباعياً أو خماسياً، سواء المهمل أو المستعمل في ذلك فذكر كل ما وصل إليه علمه.. وبالرغم من أن العرب- في الغالب- كانوا شعراء بالفطرة، إلاّ أن إيجاد نظام وميزان للشعر، يعرف به صحيحه من سقيمه، كان من صنع الخليل (العروضي) وبذلك يزن الشعر عن التميع، بإيجاد قواعد يأتي من بعده على ضوئها ليقيس صحة هذا الشعر أو سقمه. وسمى تلك الموازين بحور الشعر وأوزانه. ولنأت بها زيادة في تعريف القارئ بهذا العبقري المؤمن، وقد نظمها شاعر أهل البيت صفي الدين الحلي([226])، فصدر البيت من شعره والعجز وزن ذلك البيت: البحر الطويل: طويل له دون البحور فضائل فعولُنْ مفاعيلُنْ فعولْن مفاعلُ البحر المديد:

--> 224 )أعيان الشيعة 6/ 338. 225 )الكنى والألقاب 1/ 423. 226 )المنجد في اللغة والأعلام 389.